هل نحتاج المترجم اليوم أكثر من أي وقت مضى؟….نعم .. ولأننا في عصر العولمة، تضاعفت أهمية المترجم ..لماذا؟ ليكون صمام أمان يمنع سوء الفهم العالمي مع تسارع الأحداث.
ورغم القفزة الهائلة في تقنيات الترجمة الآلية، يظل "المترجم البشري" هو صاحب الكلمة الأخيرة. فالآلة قد تفهم القواعد، لكنها لا تفهم "السخرية"، ولا "الحنين"، ولا تستطيع تذوق الكناية والأعراف والتقاليد و "جمال الاستعارة". باختصار المترجم هو من يضع النبض في جسد النص المترجم.. هو الساحر الذي يفك شفرات الوجود.. وغالباً ما تنتج الترجمة الإلكترونية نصوصاً "خشبية" تفتقر إلى الانسيابية، حيث تشعر وأنت تقرأ بأن هناك شيئاً آلياً غير مريح في ترتيب الجمل... بعكس المترجم البشري الذي يمتلك أذناً موسيقية، يهتم بإيقاع الجملة، وبناء الفقرة، وتدفق الأفكار، مما يجعل القراءة تجربة ممتعة وليس مجرد فك لرموز المعلومات.
و إثراء الأدب والفكر لن يتم بدون المترجمين، لولاهم ما عرفنا فلسفة "نيتشه"، ولا سحر "ماركيز"، ولا حكمة "الرومي". هم من منحوا الأدب العالمي صفة "العالمية وبدونهم ما نقل الإغريق والرومان عيون الادب والفكر المصري والفارسي والعربي.. فلولاها لما انتقلت الفلسفة اليونانية للعرب، ولما أضاءت العلوم العربية ليل أوروبا المظلم. "...الترجمة هي الرحم الذي تتلاقح فيه الثقافات وتتوالد وتتطور.
ومن جهة ثانية التقدم العلمي الآن مرهون بترجمة الأبحاث والابتكارات، وبالتفاهم الذي تحدثه الترجمه تتوحد الجهود البشرية لمواجهة التحديات الكبرى مثل الأوبئة مثل كورونا وتغير المناخ.
لكن أهم ما نسعد به ونشعر فيه بإنسانيتنا بالتعايش السلمي، بالذي يمكن أن تفعله الترجمة التي تزيل "الرهبة من المجهول". عندما نقرأ قصصاً من ثقافة مختلفة، نكتشف أن همومنا الإنسانية واحدة، مما يقلل من حدة الصراعات.
فالترجمة ليست مجرد كلمات؛ إنها القدرة على جعل شخص ما يرى العالم بعيون شخص آخر.".. نعم في البدء كان "الاختلاف"، وكانت اللغات جدرانًا شاهقة تفصل بين القلوب قبل العقول. وفي تلك العزلة الكونية التي فرضتها بابل القديمة، ظهر المترجم؛ لا كموظفٍ بين قواميس، بل ككائنٍ برزخيّ يعيش بين ضفتين، يحمل على عاتقه أمانة العبور بالعطر من وردةٍ في أقصى الشمال ليغرسها في تربةِ لسانٍ في أقصى الجنوب، دون أن تذبل بتلةٌ واحدة من معناها.
المترجم هو ذلك الكيميائي الذي يحول الرصاص اللغوي الغريب إلى ذهبٍ مألوف، هو الذي يُنصت لزفير الكاتب الأصلي، ويتحسس نبض أفكاره خلف ركام الكلمات، ليعيد صياغة الوجود في قالبٍ جديد. إنه يمارس نوعاً من "التناسخ"؛ يخرج من جلده الثقافي ليلبس روحاً غريبة، ثم يعود إلينا محملاً بكنوزٍ لولا جسارته لبقيت حبيسة الصمت والنسيان.
حين نقرأ نصاً مترجماً ببراعة، لا نقرأ كلماتٍ فحسب، بل نستضيف في بيوتنا "عالمًا آخر"، ونفتح نافذةً في غرفتنا تطلُّ مباشرةً على شوارع باريس، أو غابات الأمازون، أو تجاعيد وجه فلاحٍ في الصين. المترجم هو ذاك المُبصر الذي يمنحنا عيوناً إضافية نرى بها ما وراء الأفق، مؤكداً لنا في كل سطر أن الإنسانية، رغم تعدد ألسنتها، ليست إلا قصيدة واحدة كُتبت بلغات شتى...
وأهمية المترجم ليس في كونه يسكن فيما وراء الحروف أو ناقلاً للمعلومات، إنه جسر العبور نحو الآخر، هو سفيرٌ حضاري فوق العادة، يعيد تعريف هويتنا من خلال احتكاكنا بالآخر. في كل نص يترجمه، يفتح لنا أبواباً كانت لتبقى مغلقة للأبد، يذوب الغربة من خلال ترجمة الأدب والفكر، ويثبت لنا أن الهم الإنساني واحد، مهما اختلفت الألسنة، مما يحول"الرهبة من المجهول" إلى "ألفة مع المختلف"..
وحين يسكن المترجم خلف الستائر المخملية يصفه البعض بـ"جاسوس للوعي"، حيث لا تتوقف مهمة المترجم عند حدود الجماليات، بل تمتد لتكون عيناً ثاقبة تخترق "كواليس الغرب" ودهاليز صناعة القرار فيه. ففي الكتب والمجلات الأجنبية أو مذكرات القادة السياسيين تُنشر تفاصيل لا تظهر في نشرات الأخبار العابرة. هنا، يتحول المترجم إلى "محلل استخباراتي" للقارئ العربي ليقوم بتفكيك الخطاب المبطن، يشرح لنا كيف يُصاغ "القرار" في مراكز الفكر (Think Tanks)، وماذا تعني المصطلحات الدبلوماسية الملتوية التي تخفي وراءها تحركات الجيوش أو صفقات المليارات، ينقل إلينا صورة الغرب كما يرى نفسه، لا كما يحب أن نراه نحن.. و بدونه، سنظل نعيش في "فقاعة" رد الفعل، بينما تتيح لنا ترجمة هذه المصادر فهم "الفعل" قبل وقوعه، وقراءة الخرائط السياسية وهي لا تزال حبراً على ورق المجلات التخصصية.
ويعتقد البعض أن الترجمة ميكانيكا لسانية، لكن المترجم المبدع هو فنانٍ خفي، يعرف متى يلتزم بالنص حرفياً، ومتى يكسر القيد ليمنح القارئ نفس "الرعشة" التي شعر بها القارئ الأصلي. إنه يعيد صياغة النكات، والصرخات، والهمسات بلغةٍ جديدة دون أن يفقدها "حرارتها"، مما يجعل منه مؤلفاً ثانياً للنص، يشارك الكاتب الأصلي في المجد والصعوبة، المترجم هنا ليس مجرد "شاعر" أو "أديب"، بل هو "كاشف للأسرار" ومفكك لشفرات القوة التي تُطبخ خلف الأبواب المغلقة.
والمترجم لا يرحل ولكنه يبقي معنا بما خلفه من عوالم تنبض بالحياة.. أما حين يرحل "حامل القنديل" المترجم عن عالمنا، فإنه لا يغادرنا كجسد، بل ينصهر في تلافيف النصوص التي أحياها. إن موته يحمل مفارقةً تراجيدية؛ فقد قضى حياته يمنح "صوتاً" لمن لا لسان لهم في لغتنا، وبموته يخفت ذلك الخيط السري الذي يربطنا بالعوالم البعيدة.
إن المترجم الراحل يترك خلفه "أمانة الوجود"؛ فهو لم ينقل كلمات، بل نقل أرواحاً عبرت المحيطات لتستقر في صدورنا. إننا حين نقرأ عملاً ترجمه من رحل، فنحن لا نطالع كتاباً، بل نقرأ "وصيةً" كتبت بماء الروح. لقد مات الساعي، لكن الرسالة ما زالت تفتح نوافذ الشمس في بيوتنا. رحيله يذكرنا بأن الكلمات جسورٌ عابرة للزمن، وأن المترجم الحقيقي هو من يموت جسداً ليبقى صوتاً خالداً في لغة الآخرين، شاهداً على أننا، رغم كل شيء، لسنا وحدنا في هذا الكون الفسيح.
المترجم الحقيقي هو من نذر حياته لتقريب المسافات الشائكة - سواء كانت أدبية تفيض بالحب أو سياسية تضج بالمؤامرات - فإنه لا يغادرنا كجسد، بل ينصهر في تلافيف النصوص التي أحياها. إن موته يحمل مفارقةً تراجيدية؛ فقد قضى حياته يمنح "صوتاً" لمن لا لسان لهم في لغتنا، وبموته يخفت ذلك الخيط السري الذي يربطنا بالعوالم البعيدة.
المترجم يترك خلفه "أمانة الوجود"؛ فهو لم ينقل كلمات، بل نقل وعياً كاملاً، وكشف لنا عورات عالمٍ كان يدعي الكمال. إننا حين نقرأ عملاً ترجمه من رحل، فنحن لا نطالع كتاباً، بل نقرأ "وصيةً" كتبت بماء الروح والجهد الشاق. لقد مات الساعي، لكن الرسالة ما زالت تفتح نوافذ الشمس في بيوتنا. رحيله يذكرنا بأن المترجم الحقيقي هو من يموت جسداً ليبقى صوتاً خالداً، حارساً للحقيقة ومشرعاً لأبواب الفهم التي لا تغلق.
-----------------------------
بقلم: يسري السيد
[email protected]






